الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
77
نفحات القرآن
جمع الآيات وتفسيرها يومئذ كلٌ يرى عمله : لقد أشارت الآيات الأولى الواردة في آخر سورة الزلزال ثلاث مرّات إلى مسَألة رؤية الأعمال « يَومَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ » و « فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ » ثم « وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ » . « اشتاتا » : جمع ( شت ) على وزن ( شط ) بمعنى « التفرق » ، وقد يكون سبب تفرق صفوف الناس في ذلك اليوم ورود كل أمة بإمامها أو أن يتفرق أهل الإيمان عن أهل الكفر والعلماء عن المتعلمين والشهداء عن غيرهم « 1 » . « مثقال » : بمعنى وزن ، والذرة هي الأجزاء الصغيرة جدّاً ، لذا فقد فسّرت الذرة أحياناً بذرات الغبار وأخرى بالنملة الصغيرة جدّاً ، ويشير ظاهر الآيات بوضوح إلى أنّ الأعمال الصالحة أو السيئة تتجسد أمام صاحبها في المحشر ، ولو أنّ بعض المفسّرين - وبسبب عدم قبولهم لمسألة تجسم الأعمال للأسباب التي أشرنا إليها في بداية الموضوع - قالوا بالتقدير فقدروا كلمة « جزاء » ، والمراد حضور ومشاهدة جزاء الأعمال ، وقال البعض : إنّ الرؤية هنا بمعنى العلم والمعرفة أي المشاهدة بعين العقل ، وقال البعض الآخر : المراد مشاهدة كتاب الأعمال . ومن المسلّم أنّ التفاسير الثلاثة لا تتوافق مع ظاهر الآية وذلك لأنّ تقدير أخذ ( الجزاء ) أو ( صحف الأعمال ) ، مخالف لظاهر الآية والرؤية هنا بمعنى المشاهدة بالعين لا بالقلب التي تنصب مفعولين ، فمن المعلوم أنّ الرؤية القلبية تتعدى إلى مفعولين والرؤية الظاهرية تتعدى إلى مفعول واحد ، وفي هذه الآية لا نرى إلّامفعولًا واحداً لا أكثر ( فتأمل ) . والجدير بالذكر أنّ ابن عباس وبالرغم من كونه أقدم المفسّرين قد قبل هنا بمسألة رؤية الأعمال ، فيقول في رواية وردت عنه : « ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً أو شرّاً إلّاأراه اللَّه إيّاه ، أمّا المؤمن فيغفر له سيئاته
--> ( 1 ) . تاج العروس في شرح القاموس مادة ( شت ) ويقول البعض أنّها جمع شتيت والبعض الآخر جمع شتات .